23 - 02 - 2026

المصريون فى رمضان | مظاهر احتفالية تاريخية بعيون وأقلام شرقية وغربية

المصريون فى رمضان | مظاهر احتفالية تاريخية بعيون وأقلام شرقية وغربية

تجاوز التراث التاريخى لـــ "رمضان" أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وقد بلغ تاريخ رمضان حتى عامنا هذا 1446 عاماً هجرياً ؛ ذلك أن صيام رمضان قد فُرض فى السنة الثانية للهجرة ، كما بلغ تاريخه الميلادى – أيضاً حتى عامنا هذا - 1402 عاماً ميلادياً ؛ إذ وافقت بدايته فى السنة التى فرض فيها 28 فبراير 624 ميلادية .

وقد حظي شهر رمضان ومظاهر الاحتفال به والعادات والتقاليد التى تمارس فيه باهتمام كبير في الكتابات التاريخية والاجتماعية بصفة عامة وكتابات الرحالة العرب والمستشرقين الذين زاروا العالم الاسلامى على مدار العصور المختلفة بصفة خاصة؛ ذلك أنهم وجدوا في مظاهره الاحتفالية والدينية ملاحظات مهمة جديرة بالتسجيل والمتابعة، لاسيما وأنه شهر "تتغير فيه ملامح الحياة اليومية وإيقاعها" على حد تعبيراتهم.

ومن هنا فقد صورت لنا مدوناتهم واسفارهم ما شاهدوه فى تلك البلاد من طقوس واحتفالات وعادات وتقاليد فى غالبية المدن الاسلامية كـــ ( مكة المكرمة – المدينة المنورة – دمشق – بغداد – بلاد اليمن – بلاد الفرس – بلاد الهند والسند "باكستان حالياً" ..... وغيرها).

غير أن مصر وعواصمها الاسلامية على الترتيب ( الفسطاط- العسكر- القطائع- القاهرة) قد حظيت بالنصيب الأكبر من تلك الكتابات التى حوت الكثير من صور واشكال ومظاهر تلك الاحتفالات، ولم لا ؟ ومصر هى التى أثرت – دائماً - فى الثقافات التى امتزجت فيها أكثر مما تأثرت بها. وقد رصدت اقلام وعيون الكتاب والرحالة والمستشرقين الكثير من المظاهر والطقوس والاحتفالات المصرية الرمضانية المميزة سواء تلك التى انفرد بها المصريون عن غيرهم، أو تلك التى كانت مشتركة بينهم وبين شعوب اسلامية أخرى وصبغت بالصبغة أو النكهة المصرية.

وأول تلك المظاهر هى "رؤية الهلال" فى التاسع والعشرين من شعبان (وكانت تلك الرؤية من مهام قاضى القضاة) ويترتب عليها أجواء احتفالية كبيرة؛ ففى حالة ثبوت الهلال والتبليغ بذلك يخرج الناس إلى الشوارع للإحتفال، ويتم انارة الشوارع وتزيينها "زينة رمضان" ، كما يتم انارة المساجد وفرشها، وفى هذا الصدد يقول المستشرق الإنجليزي "إدوارد وليام لين" (الذى حضر رؤية هلال رمضان فى مصر عام 1250ه / 1835م) " بعد أن يتم التأكد من رؤية هلال رمضان ينقسم الجنود والمحتشدون إلى فرق عديدة ، وبينما يعود فريق منهم إلى القلعة تطوف الفرق الأخرى في أحياء القاهرة المختلفة هاتفين (يا أتباع أفضل خلق الله صوموا، صوموا)" ، أما إذا لم يروا الهلال في تلك الليلة فأنهم ينادون (غدا شعبان، لا صيام، لا صيام)، وفى وصف آخر لأحد الرحالة في رحلته عام 727هـ يقول "يخرج القاضي ووجهاء المدينة في موكب مهيب لرؤية الهلال، وتضاء الشوارع بالفوانيس" .

كذلك كان الاهتمام بالمأكولات الرمضانية والحلوى وعلى رأسها الكنافة التى وردت فى الكتابات التاريخية التى تناولت وصف العادات الرمضانية المصرية، وهى من الأكلات الرمضانية التى تم اعدادها لأول مرة للخليفة الأموى الأول "معاوية بن ابى سفيان" فى دمشق وانتقلت منها إلى مصر فى القرن الثالث الهجرى عبر السيدة "اسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون " الملقبة بـــ "قطر الندى" .

كما جاءت "موائد الرحمن" كاحد المظاهر المهمة بهذا الشهر الكريم التى تميزت بها مصر عن غيرها من البلاد الاسلامية رغم أن فكرة اطعام الفقراء وكفالتهم موجودة منذ البدايات الأولى للاسلام، لكن "موائد الرحمن" المصرية ظلت ذات طابع خاص لفت انظار الرحالة العرب والمستشرقين على حد سواء، وكانت بداية تلك الموائد مع "احمد بن طولون" الذى حكم مصر فى اواسط القرن الثالث الهجرى واستقل بها عن الخلافة العباسية ؛ إذ دعا كبار رجال دولته إلى مائدته لتناول الافطار سوياً، وعند حضورهم وقت المساء لاحظوا حضور الكثير من الفقراء لتلك المائدة، وعندئذ أخبرهم "بن طولون" بأن هذا ما يجب أن يكونوا عليه دائماً وألا يحرموا الفقراء من موائدهم خلال هذا الشهر الكريم، ثم تطورت تلك الموائد تطوراً كبيراً برعاية الدولة الفاطمية لها وتأسيسها لــ "دار الفطرة السلطانية "، حيث اتسعت موائد الرحمن واطعام الفقراء والمساكين بداية من قصر الخليفة فى القاهرة، وقصور الوزاراء ومروراً بموائد حكام الاقاليم والمديريات على امتداد ربوع مصر ووصولاً إلى موائد الأعيان والتجار، وظلت موائد الرحمن تتطور مع الدولة الأيوبية والمملوكية وإن انكمشت قليلاً فى العهد العثمانى، إلا أنها عادت للازدهار فى عهد محمد على وخلفائه، وتحدثت عنها اقلام وكتابات المؤرخين والرحالة والمستشرقين عبر الأزمنة والسنين المتقدم ذكرها.

كذلك كانت" فوانيس رمضان" وهى تلك الأيقونة المصرية الخاصة التى بدأت فى مصر فى يوم الخامس من رمضان عام 358 هجرية، عندما استقبل المصريون الخليفة الفاطمى" المعز لدين الله " حاملين المصابيح والقناديل "الفوانيس" على طول خط عبوره من الجهة الغربية للنيل "الجيزة" إلى الجهة الشرقية "القاهرة" وحتى دخوله إلى قصره، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الفانوس علامة مصرية بارزة للاحتفال بهذا الشهر الكريم، انتقلت منها إلى الكثير من البلدان وألهمت الشعراء والأدباء وكتاب الدراما والرحالة والمستشرقين.

أما مهنة "المسحراتى" أو مهنة الــ "30 يوم"  وهى موجودة من بدايات الاسلام فى غالبية البلاد الإسلامية (فى بلاد الشام يعرف المسحراتى بالــ " موقظ"، وفي بلاد المغرب يعرف بالــ "طبال")؛ فقد ظهرت فى مصر بشكلها الحالى أيام الفاطميين وخاصة فى عهد الخليفة الفاطمى "الحاكم بأمر الله" الذى كان يأمر بأن ينام المواطنون عقب صلاة التراويح مباشرة، وكان "المسحراتيه" يمرون على المنازل ليوقظوا النائمين للسحور، مستخدمين الطبلة والدف لإيقاظ النائمين مرة واحدة بدلاً من طرق الأبواب وإيقاظ كل أسرة على حدة، ويلتزم كل "مسحر" بمنطقته الخاصة، ويستخدمون بعض الاناشيد ومنها : "السحور يا عباد الله اصحى يا نايم وحد الدايم، قول نويت بكره الشهر صايم، والفجر قايم رمضان كريم".

كذلك كان "مدفع الافطار" والذى سجلته عيون الرحالة والمستشرقين كأيقونة مصرية رمضانية، بدأت فى العصر المملوكى وانتقلت من مصر إلى غالبية بلدان العالم الاسلامى وخاصة البلدان العربية، وقد تضاربت الآراء التاريخية حول تاريخ نشأة تلك العادة بالضبط لكنها أجمعت على أنها كانت وليدة الصدفة فيقال فى احدى الروايات أن "خوش قدم" المملوكي أمر بتجربة مدفع وصادف ذلك الأول من رمضان عام 869 هجريا (1465 ميلاديا)، وتزامن سماع دويّه وقت الإفطار فاعتقد الأهالي أنه إعلان لتناول الطعام، وفي اليوم التالي أمر خوش قدم بتكرار العادة طوال شهر رمضان، بعد علمه باستحسان الأهالي لها، كما يقال أيضاً فى رواية أخرى أن تلك العادة تنسب إلى عهد محمد علي باشا الذي صادف تجريبه مجموعة من المدافع في لحظة الغروب في يوم من أيام رمضان، فاعتقد الناس أنها إشارة تعلن بدء الإفطار، وطلبوا استمرارها في الشهر، بل وفي وقت الإمساك أيضا.

وقد رصدت اقلام الكتاب تلك العادة الرمضانية كما رصدت الظواهر المصاحبة لها فى بيوت المصريين حيث كتبت أنه: عند انطلاق المدفع يطل الناس من النوافذ والشرفات ليرقبوا تلك اللحظة، وبعض الناس يصلون ويبتهلون وآخرون يسبحون.

إن صلاة التروايح والتهجد وختمات القرآن والاحتفال بليالي الوتر، خاصة ليلة السابع والعشرين من رمضان، كل ذلك قد وثقته الكتابات التاريخية ليس كعبادة فحسب، بل كظاهرة اجتماعية وثقافية تعكس تقاليد راسخة في العالم الإسلامي، فكتب أحدهم أن المصريين يحيون الثلث الأخير من شهر رمضان لرصد ليلة القدر في جامع الحسين وجامع السيدة زينب ويقضي الكثيرون منهم ليلة السابع والعشرين من رمضان بخشوع كبير، ويجعلون أمامهم وعاء فيه ماء مالح يذوقون طعمه ليروا إن بات حلو المذاق فيتأكدون أن تلك الليلة هي ليلة القدر".

كذلك غلبت فى رمضان روح التعاون والتضامن والتزاور والوفاء للموتى لدى المصريين كما تم تسجيلها بعيون الرحالة والمستشرقين؛ فكانت زيارة مقابر الموتى من الأقارب، و زيارة مقابر"آل البيت" والأولياء خاصة فى ليلة ويوم العيد واليوم الذى يسبقه "الوقفة" كما كان المصريون يجلسون على الأرض لتناول الطعام أمام منازلهم، ولديهم عادة دعوة عابري السبيل إلى مشاركتهم الطعام بصدق وحفاوة".

ومن هنا نجد اهتمام الكتابات التاريخية والرحالة والمستشرقين بتسجيل أدق التفاصيل عن عادات المصريين في هذا الشهر المبارك كتجربة استثنائية لها خصوصيتها في ذاكرة كل من اهتم بتاريخ مصر أو زارها ، فجاءت كتاباتهم حافلة بشهادات ورؤى حفظت لنا صورة تاريخية دقيقة، وليس أدل على خصوصية التجربة المصرية وإلهامها لهؤلاء الكتاب والرحالة عن غيرها من تسجيل الرحالة العربى عبدالله بن محمد بن أبي بكر العياشي (مغربى الأصل) لوصف دقيق لما يتم فى مصر فى رمضان دون غيرها، مع أنه فى رحلاته كان يمر بالجزائر، طرابلس الغرب وغيرها من البلاد الاسلامية الشقيقة.
---------------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد

مقالات اخرى للكاتب

المصريون فى رمضان | مظاهر احتفالية تاريخية بعيون وأقلام شرقية وغربية